بأقلامهن

آخ يا ليرتنا

جودي الأسمر_البيان

يشكو أحد الأصدقاء أنّ مَن يتقاضى معاشاً بالدولار “الفريش” لم يعد محسوداً مثل قبل سنتين. لقد أصبح هذا المواطن قادراً على تأمين حاجيات أساسية فقط من كهرباء وطعام واتصالات و(ربما) التعليم، لكنه ليس مرتاحاً كما في بدايات الأزمة.

هذا صحيح. فالدعم رفع عن المحروقات، والسبحة كرّت فشملت كلّ السلع والخدمات، أحياناً لأسباب حقيقيّة ومنطقية تتعلق بالسلسلة الإنتاجية، وغالباً بسبب الجشع والفساد المتغلغل في الشعب الذي انتخب بنفسه الطبقة الفاسدة، على حد القول “مثلما تكونوا يولّى عليكم”.

عمليّاً، يكفي أن تدخل أحد المحال وتصطدم بأسعار لامنطقية لسلعة ليقول لك البائع عنها: “مستوردة”، أو يكرّر لك لازمة “أشغّل مولّد كهربائي”، أو “تكلفة الاشتراك”، ضف عليها “معاشات الموظفين”، والأمر نفسه تصادفه في مطعم، إن ملكت الجرأة أو بالأحرى المجازفة للأكل في المطعم، وسلّمت مخاطر التسمم الغذائي بسبب انقطاع الكهرباء وتعطيل البرادات لمشيئة الله.

وفي كلّ الأحوال، غالباً ما ستلملم ذيل “الكرامة المتبقية” وتعتذر بلباقة عن شراء هذه القطعة أو طلب طبقك المفضّل، وتغادر المحلّ لاجئاً إلى “التسامي” في أولويّات يومياتك: لعبة لابنك، بلوزة تريد ابنتك شراءها، الدواء الذي لففت السند والهند لتجده لأمك وستدفع ثمنه مضاعفاً مجبراً، ولحسن الحظ أنّ لا تزال لديك يد تدفع بها الفلوس بعدما لوى أصحاب “الصيرفة” و”المنصة” و”المصارف” و”مولد الاشتراكات” يدك الأخرى وهي تزعق في يومك كما في كوابيسك إن استطعت النوم في الحرّ “دولاااار!”.

لم يعد حقّاً مبلغ مثل 200 أو 300 دولار الذي يرسله مغتربون لعائلاتهم عبر  OMTكافياً لسدّ رمق التوحّش المالي الّذي أصاب لبنان حتى الآن بنسبة تفوق 200 في المئة، والمعاشات أغلبها بقيت بالليرة اللبنانية يضاف إليها في أحسن الأحوال “فتات” من الدولارات. أمّا من يتقاضون معاشاتهم بالليرة فقط، فهم مثل العاطلين عن العمل، وكلاهما خارج معادلة “الصعب/الأصعب” كليّاً، بل يدخلون في دائرة سؤال: أي معجزة تجعلكم لا تزالون على قيد الحياة، أنتم وأولادكم؟

إنّه حقّاً لمن المبالغة اعتبار “الدولار الفريش” نهاية أزمة كلّ بيت، إلّا إن كان المبلغ بحد ذاته مرتفعاً كأن يفوق 3000 آلاف دولار شهرياً، حينها فقط ممكن القول إنّنا نعيش “مكتفين”.

خلصنا مع الصديق إلى معادلة مفادها أنّ قيمة الدولار اليوم باتت توازي قيمته قبل الأزمة، بمعنى أنّ القيمة الشرائية لألف دولار اليوم تعادل تماماً القيمة الشرائية لمليون ونصف مليون ليرة لبنانية قبل الأزمة. ولنقس على ذلك انتهاء صلاحية مئة دولار “فريش” في غضون يومين أو ثلاثة بالأكثر في أسرة من ثلاثة أشخاص لشراء الأساسيات، فيما كانت المئة دولار في بداية الأزمة قادرة على الصمود لغاية أسبوع كامل!

ماذا اختلف؟ لقد رفعوا الدعم، عن المحروقات والأدوية… و”الحبل على الجرار”، وأهمها الخبز:

نقلت “الأخبار” نهاية تموز الماضي عن وزير الاقتصاد أمين سلام أن الغاية من اقتراض 150 مليون دولار من البنك الدوليّ، هي فتح الباب أمام رفع الدعم عن الطحين بعد 9 أشهر (منذ تموز). ما معناه أنّ هذا القرض يؤخّر فقط رفع الدعم عن ربطة الخبز، ورفعه آتٍ لا محالة. وإذا كان سعر ربطة الخبز حالياً يبلغ 16 ألف ليرة، قد يرتفع سعرها إلى أكثر من 40 ألف ليرة! ولن يكون ذلك دون أن يرتفع بموازاته سعر صرف الدولار.

حين انتقل الحديث مع هذا الصديق إلى المدارس، ساد الصمت. لا تستطيع الإغراق أكثر بالقنوط لأن المكتوب ظاهر من عنوانه: لا مدارس قريباً في لبنان، وفي حال بدأ العام الدراسي، فإنّ المدارس الخاصة تطالب بمبلغ ملزم بالدولار “الفريش” من أقساطها بالرغم من الجمل الاعتراضية الرنانة والتي لا معنى لها التي هدد وتوعد بها وزير التربية عباس حلبي حيال المدارس التي تلجأ إلى دولرة الأقساط، كأنه يعيش خارج هذه البلاد وما يحدث. معالي الوزير: لا يمكنك أن تمنع المباح!

اليوم وبعد حرب أهليّة بشعة توارث طاقمها الخلّاب السلطة منذ وقتها حتى اليوم، تصدح في أذني كلمات الكوميديّ الرائع والملتزم شوشو وهو يصرخ “آخ يا بلدنا” في مسرحيته الأشهر التي أداها على أعتاب الحرب الأهلية أجدها مكرّرة في زفراتنا التي تتصاعد من خناق هذا الإفقار المستمر على شاكلة “آخ يا ليرتنا!”.

لم يعد القول بوجود “بلد” حقيقي، ونحن لا يحكمنا لا البلد ولا مؤسسات البلد. نحن المحكومين بأمر الدولار الذي أصبح “سمة بارزة” لكل سلعة وخدمة رفعت عنها الدعم أو أيضاً لم ترفع ولكن تكلفتها الخيالية مقرونة بـ”رفعنا الثمن لأننا نعرف مسبقاً أنّ الدولار سيرتفع”، أو “نحتكر لأن الدعم سيرفع”.

أرجوكم. ارفعوا الدعم عن الهواء ودعونا “نفطس” سريعاً لا تدريجياً في حرّ الصيف، عسى أن نرتاح ونلتحق بالليرة الّتي لا مبرّر لوجودها أيضاً، مثل هذا الهواء ومثل هذه البلاد ومثلنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى