بأقلامهن

بالشهادة تنتصر قضيتنا


يكاد لا يمر شهر وربما أسبوع، إلا ويتناهى الى مسامعنا خبر عن حادثة يتفنّن فيها الزوج أو الأب أو الأخ بابتكار أساليب للعنف والتعذيب وانتهاك حرمة المرأة وعرضها. والعنف الشديد الذي يمارَس على النساء في بلدي يُقابَل للأسف باستنكار سريع على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وسرعان ما ينساه الجميع، إلا الضحية المسكينة، ضعيفة الحيلة والقوة، والتي ستبقى بصمات التعذيب راسخة في عقلها وذاكرتها ودامغة على جسدها.

وفق تقرير للبنك الدولي، يعاني لبنان من أزمة مالية واقتصادية واجتماعية صنّفها بواحدة من أسوأ 3 أزمات من 150 عاماً. أما الأخطر فهو أن وقع هذه الأزمات على النساء في لبنان يأتي بشكل مضاعف على كافة المستويات، وتطوّر الوضع من سيئ إلى أسوأ مالياً واقتصادياً واجتماعيا.

سأتوقف في مقالتي عند التأثير الاجتماعي السيئ على النساء في لبنان والذي يأتي بطبيعة الحال نتيجة التدهور المالي والاقتصادي والانهيار الذي بدأ يضرب النسيج الاجتماعي للبنانيين بشكل كبير، وتحديداً المرأة الأم التي يأتي أولادها في سلّم أولوياتها. المرأة الزوجة التي عليها تدبير أمور منزلها رغم كل الصعاب، والمرأة العاملة التي عليها ان تكون منتجة دون التقصير في واجباتها العائلية مما يعرضها لضغوط كبيرة ولكن صامتة كونها الحلقة الأضعف.

كل ما ورد يجعل من المرأة، إن خرجت عن صمتها أو رفعت صوتها، عرضة للعنف الجسدي واللفظي وحتى الاقتصادي.

صحيح أنه تم تطوير القوانين في السنوات القليلة الماضية لتأمين مزيد من الحماية للمرأة خصوصاً تلك التي تتعرض للعنف الجسدي، إلاّ أن الانهيار الذي تعاني منه مؤسسات الدولة والإدارات التي يجب ان تسهر على تطبيق القوانين دفع الى مزيد من التفلت وممارسة التمييز الجندري واستخدام القوة الجسدية دون أي رقابة أو حساب.

فهل يوجد أبشع وأفظع من مشهد امرأة تحترق وتصرخ استغاثة وأقصد “هناء خضر” لأن زوجها استخدم القوة الجسدية لأذيتها، وتموت في النهاية تاركة وراءها طفليْن!؟

“هناء” مثال على نساء كثيرات يعانين وربّما يرون الموت يومياً دون ان يشعرن بالأمان ان هناك قوانين ستحميهنّ في حال قرّرن “رفع الصوت”!

لذا لن أسأل ماذا حصل لزوج “هناء” الذي بدأت بطبيعة الحال إيجاد الأعذار له في محيطه والمجتمع وتجميع الأدلة التي تبرر له فعلته بدل ان تدينه، بل أتوجه الى المعنيين الذين يعرفون تماماً ان القوانين موجودة ولكن عليهم التخلي عن ذكوريتهم عند تطبيقها، هذا إن طُبّقت. أسال الذين يتنازعون على الحصص الطائفية في المناصب السياسية، أي وطن ستبنون وسط تفلت القوانين وتقدم شريعة الغاب حتى بين أفراد العائلة!

سبق وأشارت بيانات الأمم المتحدة لا بل حذرت من أنه منذ العام 2020 لغاية اليوم، المكالمات على خطوط مساعدة النساء المعنّفات هي الأعلى في دولتي لبنان وماليزيا. والأكثر ان تقارير قوى الأمن الداخلي اللبناني أعلنت عن ارتفاع حالات التبليغ عن العنف الأسري ضد النساء بنسبة 180%، كما ان المنظمات العالمية لديها الأرقام بالآلاف عن حالات عنف ممنهج ضد النساء.

اخترتُ “العنف” قضية أكتب عنها ولو باختصار، لكن في عقلي تدور عواصف حول قضايا لبنان الذي يغرق بأزماته التي افتعلها من كان يجب ان يجد الحلول للأزمات.

يقال “صوت وحيد ما بيوصل” لذلك أضم صوتي الى أصوات المنظمات الدولية والمحلية: فلننقذ المرأة ونضعها بمصاف “الإنسان” الذي لديه الحق في الأمان والسلامة والتعلم والعمل والحرية والأهم في قول “لا” دون ان تتعرض للتعذيب والقتل.

لن أتوجه الى “الدولة” لأن اليوم لا من يدير الدولة، سأقول إننا معاً سنعيد بناء دولتنا التي يسودها القانون. ومعاً سنجعل من لبنان مجتمعاً يصون الإنسان أينما كان وبغض النظر عن جنسه.

ولمن هم في سدّة المسؤولية ولديهم القليل من الضمير ومن الأكيد ان لديهم “أماً أو أختاً أو ابنة أو صديقة…” مسؤوليتكم تطبيق القانون وإرساء العدل والابتعاد عن التمييز… لأن العدالة آتية لا محالة.

عبر التاريخ عززت “الشهادة” فرص ربح الثورات السياسية والاقتصادية، ولكن الأهم الاجتماعية. لذلك لكل امرأة تعاني: “لا تستسلمي وارفعي الصوت”… ولكل امرأة سقطت نتيجة العنف الجندري: “أنت شهيدة بك ستنتصر قضية النساء”.

فيولات الصفدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى