قضايا المرأة

لماذا لا تقصّين شعرك.. سيدتي؟


بعد مرور أسبوع على انطلاق الاحتجاجات الإيرانية، التي تلت مقتل الكردية الإيرانية مهسا أميني أثناء اعتقالها لدى”شرطة الأخلاق” بدعوى سوء الحجاب، صار في وسعنا الحديث عن ردود الأفعال العربية، وقد اقتصرت على تضامن خجول أبدته قلة من الجنسين على وسائل التواصل الاجتماعي وقلة أقل في وسائل الإعلام، وبما لا يرقى إطلاقاً من حيث الكم إلى أي “ترند” عابر. ولا نعني بالعابر ذلك الحادث المحلي الذي ينال اهتماماً مؤقتاً، فالاحتجاجات الإيرانية لم تنل مثلاً الاهتمام الذي نالته ترتيبات جنازة ملكة إنكلترا.
ولقد تعمدنا استخدام المثال السابق لأن لسان حال مظلوميتنا لطالما استخدم أحداثاً من هذا النوع، مستشهداً باهتمام العالم بها، العالم الذي “وفق مظلومياتنا” يصوّب تركيزه على “التفاهات”، مشيحاً بنظره عن معاناة شعوب بأكملها. ها نحن ننتمي إلى العالم الذي نطلب منه التضامن، ولا يفعل كما نشتهي، ولدينا فائض من التبريرات، يبدأ بفداحة مصائبنا التي لا تترك متنفساً للإحساس بمصائب الآخرين، مروراً بالتبخيس من مصائب الآخر الذي يأتي منافساً على دور الضحية.
في الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة تتضافر العوامل المعزِّزة للتجاهل العربي، وأولها عدم وجود أصدقاء لإيران في منطقتنا. لدينا فقط أصدقاء أو وكلاء للنظام الإيراني، وموقع هؤلاء بالطبع إلى جانب قوات الباسيج وسواها ممن يتولى قمع الانتفاضات، لا في الداخل الإيراني وحسب، وإنما أيضاً في دول عربية تنتشر فيها الميليشيات الإيرانية والتي في حكمها.
الأصل الكردي للضحية التي كانت محرِّضاً مباشراً لا يساعد بدوره، فالأواصر العربية الكردية ليست على ما يرام، بل هي في تدهور مستمر منذ عقود. ورغم أن النضال الكردي في إيران لا يمسّ ما يراه البعض أمناً قومياً عربياً إلا أنه لم يحظَ يوماً بالانتباه، وهذه إشارة لا تضمر اللوم، فأكراد إيران غير محظوظين حتى من أكراد سوريا المقسَّمة عواطفهم بين أربيل وقنديل. أغلب الظن أن هذا هو سبب عدم وجود حملة تضامن كردية واسعة مع الاحتجاجات الإيرانية الحالية.
على الصعيد السياسي المباشر، وإذا نحّينا جانباً المبررات السابقة، تملك موجة الاحتجاج الإيراني موجبات التضامن معها. لدينا متضررون من سيطرة النظام الإيراني بقوة ميليشاته في أربع دول عربية، ولدينا مخاوف من التمدد الإيراني في دول أخرى. البراغماتية، على الأقل، يُفترض بها أن تكون محفِّزاً على إبداء التضامن ولو نفاقاً. لكن، بقليل من التفكير، لن يصعب علينا معرفة ما يعيق استغلال الاحتجاجات بإبداء النفاق، لنكتشف ما يوحّد أحوال كثر مع أحوال نظام الملالي رغم العداء المعلن، الحقيقي أيضاً.
فضلاً عن أولئك الذين لا تعنيهم قضية الحرية سوى لأنفسهم، هناك نسبة لا يُستهان بها من المناصرين، سراً أو علناً، لشرطة الأخلاق التي قتلت مهسا أميني. أفراد هذه النسبة، غير المتجانسين فيما بينهم، ليسوا مستعدين ولو نفاقاً لمناصرة حريات النساء في أي مكان من العالم، لأنهم في الأصل ضد حريات النساء في بلدان المنطقة. الذين من بينهم، بلا تشكيك في نواياهم، ينادون بالحرية السياسية وصندوق الاقتراع يفصلون ذلك عن حقوق النساء وحرياتهن الشخصية، ولا يرون تعارضاً بين فهمهم للديموقراطية وتحجيب النساء.
هناك من يلتقون مع النظام الإيراني بدرجات، منهم من يسعى إلى نظام على شاكلته بشرط وحيد؛ أن تكون السلطة سُنية. ومنهم من لا يرغب في هذه الدرجة مما يراه تشدداً لدى الملالي، إلا أنه يبقى أهون عليه من شطط أولئك النساء اللواتي قلعن الحجاب وقصصن شعورهن تحدياً. ما فعلته الإيرانيات ليس سهلاً على طيف واسع، أفراده متفقون على التمسك بالشعر الطويل كهوية جنسانية، ومتفقون بتفاوت على مبدأ تحجيب أجساد النساء.
نفترض أن الذكور، الأكثر سيطرة على الفضاء العام في المنطقة، أحجموا عن التضامن من الإيرانيات والإيرانيين من موقعهم الذكوري. لكن السؤال يبقى عالقاً فيما يخص النساء اللواتي لم يقدّمن نموذجاً مختلفاً، رغم أن أمامهن قضية مركَّبة تمس في جانب منها حقوق النساء في المنطقة برمتها تقريباً، ويمكن استغلال جانبها السياسي لإحراج ذكور لا يودّون رؤية أنفسهم علناً في جهة واحدة مع نظام الملالي.
بالتأكيد ليس منتظراً مثلاً من نساء سوريات يخضعن لحكم الأسد تحدي مخابراته، والنزول إلى الشارع تضامناً، ولو بعدد قليل. ولن يكون لائقاً، أو متناسباً مع الحدث، خروج نساء سوريات محجبات تحت سيطرة تنظيمات إسلامية للتضامن مع الإيرانيات. إنهن، لو تجرأن وفعلن، فالأولى حقاً أن ينتفضن لأنفسهن.
غير بعيد عن سوريا، يحق لنا التساؤل مثلاً عن عدم خروج تظاهرات تضامن، ولو محدودة، في أشرفية بيروت. هناك، بعيداً عن سطوة الحزب، تستطيع اللبنانيات المتأذيات من المشروع الإيراني وآفاقه إرسال رسالة تضامن وتحدٍّ معاً. وإذا كانت صيغة التساؤل تحيل إلى مسيحيات من بيئة سياسية مناوئة للحزب فهي لا تقتصر عليهن، إذا قمن بدور المضيف والمحرِّض للبنانيات من مناطق أخرى لا تسمح لهن الأوضاع الأمنية أو الاجتماعية بالتحرك في مناطقهن.
نفترض أن ظروف نساء المنطقة المقيمات في الغرب، أو اللاجئات إليه، أفضل نسبياً، ما يجعلهن موضع أمل لفعل ما لا يمكن فعله. من ساحات المدن الغربية يمكن لأولئك النساء التظاهر دعماً لحرية النساء في إيران، ولحرية نساء المنطقة، وللاحتجاجات الإيرانية بمجملها كقضية حرية عامة. وهن، إذا فعلن، يرسلن رسالة ضرورية وسبّاقة لاختراق الحالة الشاذة من عدم التضامن بين شعوب المنطقة وشعوب إيران رغم الهم المشترك الواضح المباشر.
وحتى إذا عزّت الظروف المتعلقة بالجغرافيا في أي مكان، تستطيع النساء استخدام وسائل التواصل لتنظيم حملات دعم تعود عليهن وعلى النساء عموماً، خاصة على وسائل التواصل المرئية لدلالتها المضادة لتحجيبهن. لقد قدّمت الإيرانيات الفكرة لحملة لا تكلّف أكثر من التضحية بخصلة شعر ورميها في وجه السلطة، فلماذا لا تقصّين شعرك.. سيدتي؟
هو سؤال مجازي معطوف على الوظيفة الاجتماعية التقليدية لشعر المرأة الطويل، من دون أن يملي على النساء المتضامنات الطريقة ذاتها من الاحتجاج. الآن، وهي لا تعني الآن فقط، أمام النساء فرصة لفعل ما لا يريده بعض الرجال، وما لا يستطيع فعله البعض الآخر لأنه لن يحمل الرسالة المتكاملة ذاتها. هي أيضاً فرصة لفعل شيء نيابة عن اللواتي يتمنين فعله ولا يستطعن، فرصة للانتماء إليهن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى